محمد جمال الدين القاسمي
175
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
نَبِّئْنا بِتَأْوِيلِهِ أي أخبرنا بتفسير ما رأينا ، وما يؤول إليه أمر هذه الرؤيا إِنَّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ أي الذين يحسنون عبارة الرؤيا ، أو من المحسنين إلى أهل السجن ، تداوي مريضهم ، وتعزي حزينهم ، وتوسع على فقيرهم ، فأحسن إلينا بكشف غمتنا ، إن كنت قادرا على ذلك . ثم أشار ، عليه السلام ، لهما بأن ما رأياه سهل التأويل ، لوجود مثاله في المنام ، وأن له علما فوقه ، وهو أن يبين لهما كل جليل ودقيق من الأمور المستقبلة ، وإن لم يكن هناك مقدمة المنام ، حتى إن الطعام الموظف الذي يأتيهما كل يوم ، يبينه لهما قبل إتيانه ، وإن ذلك ليس من باب الكهانة ، بل من الفضل الربانيّ لمن يصطفيه بالنبوّة ، وهذا معنى قوله تعالى : القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة يوسف ( 12 ) : آية 37 ] قالَ لا يَأْتِيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ إِلاَّ نَبَّأْتُكُما بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُما ذلِكُما مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ ( 37 ) قالَ لا يَأْتِيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُما بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُما أي قبل أن يصلكما . والمراد بالطعام ما يبعث إلى أهل السجن . وتأويله ذكر ما هو ، بأن يقول : يأتيكما طعام كيت وكيت ، فيجدانه كذلك . وحقيقة ( التأويل ) تفسير الألفاظ المراد منها خلاف ظاهرها ببيان المراد . قال أبو السعود : فإطلاقه على تعيين ما سيأتي من الطعام ، إما بطريق الاستعارة . فإن ذلك بالنسبة إلى مطلق الطعام المبهم بمنزلة التأويل ، بالنظر إلى ما رئي في المنام ، وشبيه له ؛ وإما بطريق المشاكلة ، حسبما وقع في عبارتهما من قولهما : نَبِّئْنا بِتَأْوِيلِهِ . ومراده عليه السلام بذلك : بيان كل ما يهمهما من الأمور المترقبة قبل وقوعها . وإنما تخصيص الطعام بالذكر لكونه عريقا في ذلك ، بحسب الحال ، مع ما فيه من مراعاة حسن التخلص إليه مما استعبراه من الرؤيتين المتعلقتين بالشراب والطعام . ذلِكُما أي ذلك التأويل والإخبار بالمغيبات مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي أي بالوحي والإلهام ، لا من التكهن والتنجيم . وفيه إشعار بأن له علوما جمة ، ما سمعاه شذرة من جواهرها . وقوله تعالى : إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ .